الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

254

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الوقت الحاضر فإن هذا السجل مفتوح ، وتقرأ كل رسومه وخطوطه ، وكل منها في مكان معين ، أما إذا صدر الأمر الإلهي بقيام القيامة فإن هذا السجل العظيم سيطوى بكل رسومه وخطوطه . طبعا ، لا يعني طي العالم الفناء كما يتصور البعض ، بل يعني تحطمه وجمعه ، وبتعبير آخر : فإن شكل العالم وهيئته ستضطرب ويقع بعضه على بعض ، لكن لا تفنى مواده ، وهذه الحقيقة تستفاد من العبيرات المختلفة في آيات المعاد ، وخاصة من آيات رجوع الإنسان من العظام النخرة ، ومن القبور . ثم تضيف كما بدأنا أول خلق نعيده وهذا التعبير يشبه التعبير الذي ورد في الآية ( 29 ) من سورة الأعراف : كما بدأكم تعودون أو أنه مثل تعبير وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ( 1 ) ( 2 ) . أما ما احتمله بعض المفسرين من أن المراد من هذا الرجوع هو الرجوع إلى الفناء والعدم ، أو التلاحم وارتباط كما في بداية الخلق ، فيبدو بعيدا جدا . وفي النهاية تقول الآية : وعدا ( 3 ) علينا إنا كنا فاعلين ( 4 ) . ويستفاد من بعض الروايات أن المراد من رجوع الناس إلى الحالة الأولى ، هو أنهم يرجعون حفاة عراة مرة أخرى كما كانوا في بداية الخلق . ولكن لا شك أن هذا لا يعني انحصار معنى الآية في ذلك واقتصاره عليه ، بل إنه أحد صور رجوع الخلق إلى الصورة الأولى ( 5 ) . * * *

--> 1 - سورة الروم ، 27 . 2 - كما قلنا سابقا ، فإنه لا يوجد صعب وسهل بالنسبة إلى قدرة الله اللامتناهية ، بل كل شئ متساو مقابل قدرته ، وعلى هذا فإن التعبير المستعمل في الآية أعلاه إنما هو بالنسبة لمحدودية فهم البشر ، دققوا ذلك . 3 - " وعدا " مفعول لفعل مقدر تقديره : وعدنا . 4 - هذه الجملة تتضمن عدة تأكيدات ، فلفظة الوعد ، ثم التعبير ب ( علينا ) وبعدها التأكيد ب‍ ( إنا ) ثم استعمال الفعل الماضي ( كنا ) وكذلك كلمة ( فاعلين ) . 5 - مجمع البيان ، ذيل الآيات مورد البحث .